الأحد، 17 يوليو 2011

وُجوهٌ بلا مَلامح (2) اِضطرابُ الهويّة

صَوتها هادئ, يجيءُ كما أغنيةٍ حزينة, ومُنخفض وكأنها تحاول أن تخبّئه. وجهها
من ذلكَ النوع الذي تنظرُ إليه, فتوقن في اللحظة التاليّة أنّه يُخفي سرًا, ولكن
لن تحاولَ أبدًا معرفة ذلكَ السرّ, فوجهها  يُنبئُك باستحالةِ الحديث عن
 الأسرارلا أحدَ يستطيعُ النظر في عينيها دونَ أن تمرّ بجسدهِ رَعشة؛ 
عينينِ فائقتي الجمال والحزن معـًا.


تبدأ مُعاناة تلكَ الفتاة منذُ وعيها المبكّر على كونها كيانٌ وروحٌ ونفسٌ مُنفصلةٌ
عن أمها, منذُ الثانيةِ أو الثالثة من عمرها, كانت تكرهُ ارتداء ملابس البنات،
ترفضُ اللعب بالدُّمى والعرائس, وتشمئّزُ حين تسمعُ أحدهم يُناديها "لـَمـَـى".
كانت تميلُ إلى ألعاب الصبيان العنيفة, تحبُّ كرة القدم والسيارات, وتنظرُ
بعين الرغبة إلى ملابس الأولاد, وأحيانًا بعين الحسد, وكانت بينها وبين نفسها
لا تُخاطب نفسها إلا "رَائـِدْ", تُحبُّ هذا الاسمَ كثيرًا, و تتمنى لو أنها ولدتْ
 ذكرًا لتتسمى به.


مع الأيام تأصلتْ تلكَ السُلوكيّات الذُكوريّة في شخصها, وبعفويّةٍ كانت
 تُمارسها وتُكرّرها بدون أن تتلقى أيّ زجرٍ أو شجبٍ من أهلها, تمسّكّتْ يومًا
 بعد يومًا بِكيانها الذي تراه في نفسها "رَائِـد" وانسلخت شيئـًا فشيئـًا من ذلكَ
 الكيان الذي فُرض عليها "لـَمَى". حتى أتى ذلكَ اليوم الذي قررّت فيه أن
 تتمرّد  أكثرفي غمرةِ رسمٍ لما تخيّلت أنّهُ هي "رَائِد" إذ بها تُقرر أن تأخذ دور
 ذلكَ الطفل، أمسكت القلم الأسود وخطت فوق شفتيها "شارب", و ببراءة
 الأطفال توجّهت إلى أمها وأخبرتها :"أنـا رَجل", لم تتمالكَ أمّها أمام ذلك
 المشهد  إلا أن تهوي بيدها على خدّ اِبنتها وتصفعها بكل ما أوتيت من قوّة,
 مع عبارة صارخة :"عِـيب يَـا بِنت".


لملمت "لَـمَـى" شظاياها التي تكسّرت أمام قسوةِ أمها, وانسحبت إلى
غرفتها تجرّ أذيالَ صَدمتها, وحينها قررت بنتُ الخامسة أن تُـخرس لسانها
تمامًا عن بثّ أي شكوى لأمّها, تكوّرت تلكَ الليلة على نفسها في سريرها
وضمّت جسدها إلى جسدها وبكت كثيرًا, ثم هدأت قليلاً بعد أن لاح لها
طيفُ "رَائِـد" وعالمه الجميل.


كانتَ تكبرُ يومًا بعد يوم, وسلواها لا تتعدى كراستها وكتبها المدرسيّة,
كانتُ تنبغُ أكثر وأكثر في الرسم لدرجة أنها تذهلُ كلّ من نظر إلى لوحاتها,
وكذا نَبغتْ في دراستها, لم تكن يومًا في غير المركز الأول, ولا أحدَ يتخيّلها
غير ذلك.


اِستمرّ ذلكَ الـ "رَائِـد" يُـلاحقها في منامها, وصحوها, في مُخيلتها, وأفكارها،
في عُزلتها, وفي اِجتماعاتها مع الناس. كانت مُقتنعة تمامًا أنّها رَجُــل
وليست امرأة على أيّ حال, فيأتي جسدها الأنثويّ المُكتمل في معالم
الأنوثة فيُكذّبُ ذلك, كانتَ تَكرههُ بشدّة, هو الشيء الوحيد الذي يقول
 لأقوى اِيماناتها "لا", وبشكل واضح تمامًا وعلني وبلا حياء, ولم تكن تنام إلا
 ودُموع اِبتهالها تَتضرّعُ إلى الله أن يحولها إلى "رائد".


في بداية دخولها إلى المرحلة الثانويّة تعرّفت إلى صديقاتها الأولى والوحيدة،
جمعهما نبوغُ الرسم والتفوّق. وفي غمرةِ حديثٍ كشَفت لصديقتها عن كلّ
ما تمرّ به من أحاسيس, وصارحتها بمعاناتها, تعاطفت الأخرى معها, واِقترحت
أن تزورها في بيتها لتبحثا معًا عن حقيقة تلكَ المعاناة عن طريق الشبكة.
في مساءِ ذلك اليوم كانتا تجلسانِ مقابل تلكَ الشاشةِ الصغيرة,  ومن نتائج
البحث القليلة التي توصّلتا إليها, اكتشفتا أن "لَمَى" مُصابة بما يسميه الطبّ
النفسي "اضطرب الهويّة الجنسيّة".


تخرّجت "لَمَى" من الثانوية العامة واِلتحقت بإحدى الجامعات وحُلمها بأن
 تكون "رَائِـد" يكبر أكثر, وإيمانها أنّه لا بدّ من تحقيق ذلك الحلم يكبر أيضًا,
 قامت  بالعديد من البحوث حول الموضوع بشكل مطوّل جدًا, وعلمت من
 خلال البحث  أن بعض الدول تُقدّم علاجًا لمثل هذهِ الحالات عن طريق
 تحويلهم إلى الجنس الذي يرغبون أن يكوننه, فآمنت بُحلمها لدرجة أنّها رأته 
يتحقق أمامها.


عزمت القرار ولن تتراجع, ولتدبّير أمر المبلغ قامت ببيع لوحاتها عن طريق
الشبكة, فحصلت على رصيد مالي لن يتخيّل أحدٌ أن بامكانٍ شخص ما 
الحصول عليه من خلال بيع لوحات لرسامة غير معروفة إطلاقـًا, من خلال بيع
 لوحاتها حصلت على رصيد بنكي بسبع خانات! وبقرارٍ صارم لا عودة فيه, 
انسحبت فجأة من حياة عائلتها تاركةً لهم رسالة مفادها أنها مسافرة للعلاج ولن
 تعود أبدًا. اِختارت لتحقيق حُلمها وإعادتها لما تشعرُ حقًا أنّهُ هِيَ ذلكَ البلد
 المُسمى "تايلاند"؛ نظرًا لأنها من أكثر الدول التي تهيّء للمتحولين جنسيًا 
الظروف التي تساعدهم على التأقلم مع حياتهم الجديدة.


وهُنا بالضبط انقطعت أخبارها عني تمامًا. ولكن بقي شيء واحد لأقوله لكم
هذهِ الحالة ليست شذوذًا جنسيًا، أو مُيولاً غير سويّة، أو انحرافًا في الفكر، ولا
حتى مرضـًا نفسيًا "كما تقول رائد". إنّهُ اِبتلاءٌ منّ الله ومرض ٌمثله مثل أي
 مرض عضوي آخر"سكري – ضغط - سرطان", وتُؤمن أو عفوًا ويُؤمن رائد
 أنّ  هذا البَلاءَ داخلٌ تحت الحديث:" تداووا يا عباد الله، فإن الله لم يضع داء
 إلا وضع  له شفاء".


أختم بهذهِ العبارات التي تلخّصُ المعاناة التي مرَّ بها رائد بكلام علمي واضح،
وهي للدكتور / خالد منتصر, يقول" الهويـــة GENDER شيء و الجنـس
 SEX شيء آخر. الهوية مكانها الإحساس والمخ، أما الجنس فمكانه شهادة
 الميلاد والبطاقة الشخصية، الهوية رجل وإمرأة ،أمّا الجنس فهو ذكر وأنثى،
 الهوية سلوك وتصرفات ورضا وقبول بكون الإنسان رجلاً أو إمرأة، أما الجنس
 فهو صفات تشريحية وأعضاء تناسلية وخلايا وأنسجة وهورمونات. "


ولأولئكَ الذين ما زال الموضوع مُبهمًا عليهم , فلا أجد أفضل من الدكتور/
 طارق الحبيب ليتحدّث ويوضح لهم بعض التفاصيل :




هناك تعليقان (2):

  1. هآم جدًآ:


    رُبما يخلط بعض القراء بين المُصابين باضطراب الهويّة الجنسيّة من الإناث وبين البويات، لذا أحبّ أن أوضح بعض الفروق الجوهريّة بين الفئتين :

    1- المصابة باضطراب الهويّة الجنسية تتصرّف كذكر لأنّ فطرتها تقول لها ذلك, لأنّها تشعر أنها كيان ذي هويّة ذكوريّة وأنّها ليست أنثى في الحقيقة, بينما "البويه" أو المسترجلة تتصرّف كذكر بسبب دوافع أخرى, مثل :شُعورها بنظرة المجتمع المُنتقص لقدر للأنثى, تقليد صديقاتها, انحراف سلوكي جنسي, تأثّـر بالثقافة الغربية المُنحرفة أو غير ذلك، ورغم كلّ هذا تبقى مؤمنة بالداخل أنها أنثى.

    2- الرغبة بالتحوّل إلى ذكر بجسد كامل الذكورة قويّة في الفتاة المصابة باضطراب الهويّة الجنسية ومُستمرّة دائمة, بينما في البويه فهي ضعيفة جدًا و مُؤقّتة, وستُحجم غالبًا عن عمليّة التحوّل بعد أن تسمع الأضرار المترتّبة عليها بالإضافة إلى مدّة العلاج التي تستمرُ إلى سنوات, والأضرار المُترتّبة على عمليّة التحوّل.


    3- المصابة باضطراب الهويّة الجنسيّة في الغالب تظهر عليها السلوكيّات الذكوريّة منذُ الطفولة الباكرة جدًا في الفترة من عمر سنتين إلى أربع سنوات, بينما البويّه تكون طفولتها عاديّة مثل أي فتاة.


    4- المُصابة باضطراب الهويّة الجنسيّة قد تتّحول إلى بويه أو رُبما تتصرّف كأنثى مجاملة للمجتمع من باب التمثيل لا أكثر, ولكن البُويه لا تتحوّل أبدًا لمصابة باضطراب الهويّة الجنسيّة.


    جائني سؤال أيضـًا :

    "علاج لمى، أكان محاولةً لتصحيح ذلك الاضطراب، أم تحولاً جنسياً يتماشى مع اضطرابها؟إذ لا أجد هذا المرض، مبررا للتحول بأي حال."


    علاج لمى كان ضرورة لتعيش حياتها باستقرار, هي تكرهُ اِسمها الأنوثي, ياء المخاطبة التي تلحق كل فعل يخاطبونها به, تعيشُ حربًا مع جسدها الذي تختنقُ به, ولا تستطيع التعايش معه لأنّها تشعر أنّه لا ينتمي لها ولا تنتمي له. البعض سيقول لو تزوّجت المصابة بهذا المرض ستستقر. أسأل :وكيف تستقر من تتزوّج رجلاً وهي تشعر أنها في الحقيقية رجل يرغبُ في الزواج من أنثى ؟!! زواج كهذا فاشل, فاشل, فاشل. وليس حلاً أبدًا هو يشبه من يقول لك أنا مُصاب بالعمى فتأتي وتقول له : يا أخي البس نظارة وبتشوف !!!

    هذا المرض مُبررّ بهِ للتحوّل إلى الجنس الآخر من رأي الدكتور/ طارق الحبيب, ومن رأي المُصابين بهذا المرض, وحتى من رأي علماء الدين المُطلعين على الموضوع بالتفصيل. ولكن بالطبع التحوّل له ضوابط طبيّة, ليس كلّ من أتت للعيادة وقالت لا يعجبني أن أكون فتاة أريد أن أكون شابًا يقوم الدكتور بعمليّة التحويل لها !! لا أبدًا, الأمر أعقد من هذا بكثير أحد الضوابط أن تستمرّ فترة الرغبة لدى المصابة سنتين على الأقل, ولا أعتقد أن غير صاحبة الرغبة الحقيقيّة ستصبر هاتين السنتين, ولأسباب واقعيّة.


    بالنهاية, أنا لستُ مُختصًا بهذا الموضوع, ولكن سمعتُ تلكَ القصة وتأكدّت من حقيقتها, ثمّ قمت بأبحاثي الخاصة حول الموضوع قبل أن أقوم بطرح قصّة تلكَ الفتاة ؛ أو عفوًا الرّجل !


    =)

    ردحذف
  2. رائئئئع جداااا سلمت الانامل
    شيء مؤثر جدا ...وصراحة شي يألم بعد ماحققت الطموح
    تحولت ولد وكان طمووحها شنو ..~تتحول ولد...><
    اتوقع انها عايشه في السعودية عشان كذا حست بضطهاد لجنس الانثى وتبغى تبرز في المجتمع وتخلي لها حقوق << اذا من هذي الناحيه مالومها ابد..
    بس سؤالي هيناا شنو تشعر اتجاه الانثى ..~اطيب شلون تحبها وهي في الاساس كانت انثى ..؟يعني بتظل بلا زواج ولا ذرية..وراح تضل او يضل اعزب...؟
    صراحة غرريب جدا هالمرض والحمدالله على نعمة الصحة
    وشكرا...طرحك رائع جداجدا ..تحياتي لك

    ردحذف