(1)
المُجدّد الأدبي
سافرَ إلى اليابان رَجلاً عاديًا, نُسخة مُطابقة بلا اختلافٍ عن الصورة العامة
المُكررة للرجال في هذا البلد, وعاد بعد أعوامٍ خمسة أديبًا, روائيـًا وشاعرًا،
وفي حقيبة سفره روايتان, وخمس دوانين من الشعر
"المنثور", وكتابين
في النقد الأدبي, نشرها مُتفرقةً على مدى سبعةٍ أعوام. احتفى بهِ الإعلام
وعلّق عليه الآمال بكونه قائدًا لنهضةٍ أدبيّة "هائلة". في اليوم الذي تلى
يوم نشر روايته الأولى, كل الصحف المحليّة كتبت عنه بعناوين حملت
عبارة "المُجدد الأدبي" حتى لازمه ذلكَ اللقب وعُرف به. أثير حوله الكثير
الكثير من الضجيج والصخب واللغط , ثمّ فجأة خرست جميعُ ألسنة الصحف
عن ذكر اسمه, وكأنّ أحدهم قطع ألسنتها بنفس السكين وفي نفس الوقتِ.
أُثارت تلكَ الضجّة فيَّ الفضول حول شخصه, فانطلقتُ جريـًا لأقرب مكتبة
لأحصل على نسخة من روايته, قرأته بشغفٍ شديد, لا أنكر, كان باذخَ
اللغة والتراكيب إلى حدٍ بعيد, ولكن أوقفني في روايتهِ عدّة مقاطع, حددّتها
بالقلم السميك, ووضعت بعدها علاماتِ تعجّب ثلاثة. أحدُ تلكَ المقاطع :
"كنتُ أناجيكِ ليلاً ببوحي, بشوقي, بحنيني, بضعفي المُحتاجِ إلى وجودك.
وكٌنت كلّ ما كتبتُ سطرًا نحوَ الأسفل, تخيّلتكِ في آخر الورقة, فتثور بين
دمائي رغباتٌ عارمةٌ تُحفزني على الكتابة أكثر وبشكل أسرع لأصل إليكِ في
نهاية السطر وأقبّلكِ, ثم حين أعود للأعلى, تثورُ تلك المُحفّزات في دمي مرة
أخرى, فأعاود الرّكض السريع لأصلَ إليكِ مراتٍ كثيرة كلّ ليلة, بعدد السطور. "
ركزوا جيّدَا على جملة "كتبتُ سطرًا نحوَ الأسفل", منذُ متى واللغة العربية
تُكتب من أعلى لأسفل ؟!
مَقطع آخر :
"أعشقُ رائحة الماضي حين تتداخل بين جُزئيات الهواء حولي, فتكوّن جيشًا
جبارًا, يغزو كلّ مساماتِ التنفس داخلي, فتملأني بذلكَ الشعور بالإعتزاز
بتلكَ الأرض الطيّبة التي احتوت طفولتي. أتذكر جيّدًا قريتنا الصغيرة, الوادي
الذي تطلّ عليه, الغروبَ الدافئ, الشروق الكسول, أغنامُ جدي, خيله
الأصيلة, أغاني جدتي, وقصصها الكثيرة, وأتذكّر شجرة الكرز العظيمة التي
نلتفُ حولها في الصيف ونختبئ نحنُ الأطفال في ظلّها, فتكون لنا كأمٍ رؤوم
تمنحُ رَضيعها كلّ ما يحتاجه من أمانٍ وانتماءٍ وسَكن."
رائـع جدًا ."شجرةُ كرزٍ عظيمة" أيها الروائيّ العظيم, وفي موطنكَ العربيّ
الصحراويّ الأجردِ إلا من أثلٍ, وحنظلٍ, ونَخيلٍ, وشُجرياتٍ مملوءةٍ بالشوك!!
ضحكتُ كثيرًا على هذا المقطع المُفعمٍ بالحنين الكرزيّ الطعم واللون
والرائحة, وضحكتُ أكثر حين أخبرتُ أحد الأصدقاء أنّ شجرَ الكرز لا ينمو
في صحراء نجد أبدًا, في الحقيقة هو ينمو في اليابان, فأجابني بجوابٍ أيقنُت
من خلاله أنّه مغفل تمامًا : "إنّـهـا الرمزّيـة الشعريّة يا وائل, أيضًا, يبدو أنّ
"المُجدد الأدبي" تأثّـر برحلتهِ إلى اليابان " !!!
في النقد الأدبي, نشرها مُتفرقةً على مدى سبعةٍ أعوام. احتفى بهِ الإعلام
وعلّق عليه الآمال بكونه قائدًا لنهضةٍ أدبيّة "هائلة". في اليوم الذي تلى
يوم نشر روايته الأولى, كل الصحف المحليّة كتبت عنه بعناوين حملت
عبارة "المُجدد الأدبي" حتى لازمه ذلكَ اللقب وعُرف به. أثير حوله الكثير
الكثير من الضجيج والصخب واللغط , ثمّ فجأة خرست جميعُ ألسنة الصحف
عن ذكر اسمه, وكأنّ أحدهم قطع ألسنتها بنفس السكين وفي نفس الوقتِ.
أُثارت تلكَ الضجّة فيَّ الفضول حول شخصه, فانطلقتُ جريـًا لأقرب مكتبة
لأحصل على نسخة من روايته, قرأته بشغفٍ شديد, لا أنكر, كان باذخَ
اللغة والتراكيب إلى حدٍ بعيد, ولكن أوقفني في روايتهِ عدّة مقاطع, حددّتها
بالقلم السميك, ووضعت بعدها علاماتِ تعجّب ثلاثة. أحدُ تلكَ المقاطع :
"كنتُ أناجيكِ ليلاً ببوحي, بشوقي, بحنيني, بضعفي المُحتاجِ إلى وجودك.
وكٌنت كلّ ما كتبتُ سطرًا نحوَ الأسفل, تخيّلتكِ في آخر الورقة, فتثور بين
دمائي رغباتٌ عارمةٌ تُحفزني على الكتابة أكثر وبشكل أسرع لأصل إليكِ في
نهاية السطر وأقبّلكِ, ثم حين أعود للأعلى, تثورُ تلك المُحفّزات في دمي مرة
أخرى, فأعاود الرّكض السريع لأصلَ إليكِ مراتٍ كثيرة كلّ ليلة, بعدد السطور. "
ركزوا جيّدَا على جملة "كتبتُ سطرًا نحوَ الأسفل", منذُ متى واللغة العربية
تُكتب من أعلى لأسفل ؟!
مَقطع آخر :
"أعشقُ رائحة الماضي حين تتداخل بين جُزئيات الهواء حولي, فتكوّن جيشًا
جبارًا, يغزو كلّ مساماتِ التنفس داخلي, فتملأني بذلكَ الشعور بالإعتزاز
بتلكَ الأرض الطيّبة التي احتوت طفولتي. أتذكر جيّدًا قريتنا الصغيرة, الوادي
الذي تطلّ عليه, الغروبَ الدافئ, الشروق الكسول, أغنامُ جدي, خيله
الأصيلة, أغاني جدتي, وقصصها الكثيرة, وأتذكّر شجرة الكرز العظيمة التي
نلتفُ حولها في الصيف ونختبئ نحنُ الأطفال في ظلّها, فتكون لنا كأمٍ رؤوم
تمنحُ رَضيعها كلّ ما يحتاجه من أمانٍ وانتماءٍ وسَكن."
رائـع جدًا ."شجرةُ كرزٍ عظيمة" أيها الروائيّ العظيم, وفي موطنكَ العربيّ
الصحراويّ الأجردِ إلا من أثلٍ, وحنظلٍ, ونَخيلٍ, وشُجرياتٍ مملوءةٍ بالشوك!!
ضحكتُ كثيرًا على هذا المقطع المُفعمٍ بالحنين الكرزيّ الطعم واللون
والرائحة, وضحكتُ أكثر حين أخبرتُ أحد الأصدقاء أنّ شجرَ الكرز لا ينمو
في صحراء نجد أبدًا, في الحقيقة هو ينمو في اليابان, فأجابني بجوابٍ أيقنُت
من خلاله أنّه مغفل تمامًا : "إنّـهـا الرمزّيـة الشعريّة يا وائل, أيضًا, يبدو أنّ
"المُجدد الأدبي" تأثّـر برحلتهِ إلى اليابان " !!!
يا مُغفّل هو لم يتأثر بالرحلة, هو سرقَ ما استطاع قلمه أن يمتّد إليه
من كُتب, وللأسف كلّ المُجتمع مُثلك تمامًا يرددّ ببلاهة دون وعي أنّه
"المُجدد الأدبيّ" دون أن يطلع إلى حقيقة ذلك الشخص. لو كان الأمر
يعود إليّ لقطعتُ يديّ قَلمه ورجليه ولسانه, في أكبر ساحةٍ بالمدينة
أمام الملأ أجمعين.
سمعتُ مُؤخرًا أنّ هذا الأديب تمّ تكريمه في إحدى النوادي الأدبية نظيرًا
لتلكَ الإضافة "التجديديّة" إلى أدب الصحراء. لا يهم, ما يهمّنا أنّه أثناء
الحفل همسَ أحدهم لرئيس النادي الأدبي : "إنّ رواية "المُجدد" يتطابق
عنوانها تمامًا مع إحدى روايات الأديب الياباني يوكيو ميشيما, والأحداث
أيضًا متشابهة إلى حدٍ بعيد مع أحداث تلكَ الرويات! " أخرسهُ رئيس النادي
بلغة حازمة : " ما هذا الكلام يا رجل ؟! أتشكّكُ في نزاهة "مُجددنا" الأدبيّ
العظيم ؟! إنّ كل ما قدّمه لنا من أدب هو من صميم ذاته وفكره, دع عنكَ
هذهِ الترّهات, وأطلق العنان لسعادتك في يوم احتفالنا برجلٍ لن يُكرر
التاريخ شبيهًا له؛ أبدًا "
من بعدِ ذلك الحوار الذي سمعتُه صرتُ أشككُّ في كلّ أديب سافرَ في
شبابهِ إلى بلدٍ أجنبيّ واعتكف هناك لعدّة سنوات, ثم عاد وفي حقيبة
سفره كتبٌ مطبوعٌ عليها اسمه, كتبٌ حملتهُ من فوضى العدمِ إلى
مصافي الأدباء. وفي نفس الوقت توثّبت نفسي إلى اعتكافٍ في وطنٍ
أجنبيّ لم يزره أيّ كاتبٍ عربي من قبل, أفكّر في كوريا الشمالية, لا أكثر
إلهامًا من كتابةٍ متمرّدةٍ تحت مقصلة القمع !
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق