مُذ هجرانكَ القديم والكلام يتراكم في فمي، يطلُ من
بين شفتيَّ , ويبحث عن أذنيك .. كم أودّ أن أحادثكَ عن التفاصيل الصغيرة التي لا
تُحكى إلا إليك ../ عن غابات الحنين التي احترقت في صدري وملأته رمادًا ../ عن
العواصف التي تعوي فوقَ ذاك الرماد ../ عن شفقٍ أحمر كان ينظر في تيهِ عينيها ../ عن
القُبلة التي أهانت كرامة رجل ../ عن حقيبة الوعود المنسيةِ في قطار الوقت ../ عن
الوحدةِ التي تراودني عن نفسي وأصدُ عنها ../ عن يتيم ٍأخذ بيدي و أبى أن يفلتها ../ عن الرجل المفخخ الذي يلاحق الرجل ذو
اللحيةِ المحناة .. / عن أطفال ٍ كُثر يتقافزون في حِجري ../ عن العَراء .. عن
الحروق .. عن النكران .. عن التسامح .. عن نوبةِ الاحتياج .. عن الذبول .. عن
الضمير الغائب .. عن الذات الصاعدة .. عن الخوف .. عن الدُخان .. عن حرفِ السين ..
عن الغابة .. عن دالية العنب .. عن التراب الأحمر .. عن الأرقيلة وأفواهنا الخمسة
.. عن زياد .. عن الصحراء .. عن الجبروت .. عن المزرعة .. عن الغياب .. عن سرير
المرض .. عن الشِفاء ../ عن المستقبل الذي هربتُ إليه فوجدتني أصطدمُ بذاكرتي ../
عن الرسائل المهملة في واردي منذُ شهر ../ عن رائحة أنثويّةٍ تخدرني وتسرقُ حواسي ../ عن ذائقتي الحساسة جدًا
تجاه الطعام والشراب ../ عني حين أسلم نفسي بين يدي الموسيقى وأنساني .. / عن
الكمان الحزين الذي يمزقُ أوردتي ../ عن
الناي الذي يحملني عاليًا ثم يرميني ../ عن البيانو حين يملأني بالقلق والحيرة
والشتات ../ عني حين أتحدثُ بوجع ٍ شديد دون أن تتغير نبرة ُ صوتي ../ عن ظلي الذي
يهربُ مني ../ عني حينَ أموتُ وقد خلّفتُ ورائي أوجاعًا لن أسامحها.