الاثنين، 19 ديسمبر 2011

مَنـــامْ





سبعُ حسنواتٍ من نور .. يزفنّ على أكتافهن طفلاً من ضياءٍ نحو مثواهُ السحيق .. يسرن نحو المثوى بنظام .. لا يلتفتن .. ولا يتكلمن .. وطفلُ الضياءِ لا يتكلم .. الأربعة عشرة خطوة ً تقترب .. والمثوى السحيق يزدادُ سحقًا .. وتقفُ الخطوات على حافةِ المثوى .. وتنحني الأكتاف جميعها معًا .. ثم جسدُ الضياءِ يهوووي ...

وصوتُ ارتطامٍ بعيدْ .     


الأحد، 18 ديسمبر 2011

الأيَامْ



أتخيّلهُ شابًا أسمر في الواحدةِ والعشرين , يُصغي إلى نصائح أصدقائه أكثر من نصائحه والديه , ويحبهم أكثر مما يحبهما , يعيشُ حياته بعبثيّة ولا اكتراث . أتخيّلهُ أنه حضر صباحًا إلى المكتبة , لم تقدهُ إليها رغبة القراءةِ بل قاده ملله الساحق . دخل المكان وهو يجرّ قدميه , سأل عن قسم الرويات وتوجه إليه مباشرة دون أن يشكر ذاك الذي أرشده , أدار عينيه بين أكوام القصص وسحب إحداها , قرأ العنوان واسم الكاتب , وتذّكر أن صديقه الذي يكتب الأدب ذكر هذهِ الرواية عنده , وأبدى اعجابه وتعلّقه بها . وضع الرواية في يده وحملها إلى حيث أقرب كرسي , وارتمى عليه , وبدأ يتفحصّ الرواية بين يديه ويقلبها . أوّل نظراتهِ إليها كانت امتهان , سخر من غلاف الرواية الرديء الصنع , ضحك على ذائقة الذي اختار ألوانهُ بتناسق ٍأبله . أتخيّله أيضًا أنه فتح الرواية وقرأ فيها بعيني ازدراء , وأتخيّله أنه أنهى عشرين صفحة ثم زفر في حَنَقٍ هامس " يوووه ما هذا السُخف"  , رمى الكتاب على الطاولة , ثم مضى وهو يجرّ قدميه .


ساعتين من الزمن , ويومٌ بعدها , ومن البعيد يهرول نحو نفس الطاولة شابٌ طويل له شعرٌ أشقر يلامس كتفيه , ذقنُه منذُ عشرةِ أيام لم تُشذب , وله عينين لوزيتيّن تنظران بذهولٍ حادٍ أغلبَ الوقت . جلس على نفس الكرسي , وأمال رأسه للوراء , وأغمض عينه وزفر شيئًا ثقيلاً من صدره , ثم زفره أخرى , وأخرى , حتى شعرُ أنه لا يمكن أن يزفر أكثر . أخرج من حقيبته قارورة ماءٍ , ورفعها إلى فيه , وفي نفس الوقت الذي لامس طرف القارورة شفتيه , لمح كتابًا . حرّك  الكتابُ في نفسهِ شيئًا . أنزل القارورة دون أن يشرب , مدّ يده نحو الكتاب وقرأ بخطٍ كوفي ٍ مزخرف في أعلى الكتاب " طــهْ حــسَـــيْــن – الأَيــَــــامْ " . تأمّل الرواية لحظتين , شعرَ بقَدَرِ غريبٍ يصلهُ بها ,  ثم ارتفع , ومضى ولم يقف إلا وعبارةٌ تسبقه عند موظف الخدمات : " أريدُ أن 
أستعيرها ".


وصل ذاك الذي لهُ شعرٌ أشقر يلامس كتفيه  إلى بيته قبل نصف ساعة , أخذ حمامًا ساخنًا , وتذكّر والماء الحارُ جدًا ينسكب على جسده أنه وهو في الطريق إلى منزله أقسم ألا يغمض له جفن قبل أن ينهي رواية طه حسين أو بالأحرى سيرته الذاتية . هو عازمٌ على أن يبرَّ بقسمه الذي ولأوّل مرةِ في حياته يُقسم مثله . أقسمَ فقط لأنه شعرَ بقَدَر غريبِ حين لامس غلافَ "الأَيـَامْ" . سيفصل اتصاله عن الشبكة حالاً , وسيختار تلكَ المقطوعة التي أسماها "ناي الألم " ليستمع إليها بصوتٍ خفيض وهو يقرأ . لن يأكل . لن يتحدّث مع أحد . وسيتجرّد من كل شيءٍ  حتى يُنهي "الأَيَامْ" . فقط سيُقيم صلاته . وسيشرب الماء . وسمح لنفسهِ أن يطالع حصاد الجزيرة عند الحاديةِ عشرة ؛ وفقط . 





الخامسةُ  .. من مَغيبِ الأحد .     


الجمعة، 16 ديسمبر 2011

رسالة مَجهولة المصِير



أكرهُ هذا النوع من الكتابة .. أكرهه وجدًا .. أكره أن أكتب رسالتي لأشخاص كثر بدون أن أحدد أسماءهم  ..بدون أن أضع فواصل بين المقاطع والجمل التي أريدها أن تصل لأذن فلان .. وبين الأخرى التي أريدها أن تصل لأذن فلانة .. في الحقيقة أكرهُ أن أبعث برسالةٍ واحدةٍ لأكثر من شخص .. هذا النوع من الرسائل يمحقُ خصوصيّة الكلمات ويفسد مظهرها .. تمامًا كما أني أكرهُ طاولاتِ العشاء التي على أطرافها ثلاثة كراسي أو أكثر .. تخنقني 


أنا الآن أكتبُ بدون أن أبيت أيّ نيّةٍ للكتابة .. بدون أن أبيت ليلة البارحة في فراشي وأنا أخطط ما ولمن وكيف سأكتب .. فقط استيقظتُ هذا الصباح .. ومنذُ فتحتُ عينيّ عرفتُ أني سأكتب / سأثرثر كثيرًا ولأشخاص كثيرين ..

لمن أكتبُ هذا الصباح ؟! 

اممم بعيدًا عن الكذب .. أغلبُ الأشخاص الذين أكتبُ لهم هم رجال ونساء لا يعرفونني ولا أعرفهم .. وبعضهم يعرفونني ولا أعرفهم .. ولكن ولسببٍ ما لا أدركه أشعرُ أنه يجبّ عليَّ اليوم أن أتحدث إليهم  ..حدسي الداخلي - الذي أؤمن بهِ كثيرًا وجدًا - ينبئني أن أحدهم / إحداهن سيمر هنا فقط ليقرأ هذهِ الرسالة .. ثم سيمضي .. ولن ينساني البتّة وأنا بالمقابل لن أنساهُ اطلاقًا 


أكتبُ للمقربين أيضًا .. خمسةٌ منهم أو ستة على أقل تقدير قال لي : وائل ؛ افتقدنا حرفك .
بعضهم قالها هكذا علانية .. والبعض الأخر قرأتُ ذلك في أعينهم .. هؤلاء / دائرتي الضيّقة 
لو أني لا أكتبُ إلا ليقرؤونني لـ اكتفيتْ بهم 


بادِئة :

بعضُ العاداتِ الصغيرة .. الصغيرة جدًا .. لها ضريبة مهولة بشكل لا يقارن بتلكَ العادة .

على سبيل المثال : ما ضريبة عادة التحليقِ طويلاً في وجه الشمس ؟

سأجيب .. ضريبتها : العَمى


~~~ 


يمرُّ  الآن سؤالٌ عنيفٌ على فكري .. لـمَ يبدأ القدرُ السيِّءُ للأشياء عادةً من أطرافها لا من وسطها ؟! 


الأوراقُ تتآكل من أطرافها .. العتباتُ ينكسر طرفها البارز .. الأثواب القديمة تتمزقُ من أطرافها / أكمامها .. أعوادُ الثقاب يبدأ اشتعالها من طرفها .. رؤوس أقلامُ الرصاص تنكسر من طرفها .. نهايات الشعر هي التي تتقصف .. أو طرفها الآخر هو الذي تصيبه الأمراض .. الإنسان .. يزورهُ الموت من أطرافهِ السفلى ويصعدُ في جسدهِ حتى يُغرغر .. العلاقات البشريّة "أطراف" تلكَ  العلاقات هم المسؤولين عن افسادها !  


~~~ 



أرضٌ لا نهاية لها ودوائر كثيرة تترامى في كل اتجاه .. وقدمٌ وحيدة وصامتة تقفزُ بين ثلاثةِ دوائر منها .. لا تلتفتُ إلى غيرها .. تخشى حقًا القفز بين أيّ دوائر إضافيّة .. لا يطيقُ قلبها ذلك .. تحاولُ أن تُخَاتِلَ نفسها لتقفزَ بين دائرتين فقط .. ورُبما تُبيّتُ النية لأن تقفز في دائرة واحدة .. 
أو فلنقل أنها تُوهم نفسها أنها قادرة على حصرَ عادةِ القفزِ لديها .. لكنها سرعان ما تنهار 
وتعود تقفز بين الداوئر الثلاثة كما كان يحدثُ دومًا 


القفز عادة صحيّة .. صحيّة جدًا .. ولكنها عادة تحتاجُ إلى إتقان وحذق ٍ شديدين .. سَتتحوّل إلى أخرى سيئة إن لم نحن نتقن القفز .. ونتخيّر أماكن سقوطنا الصحيحة حين ننتقلُ من دائرةٍ إلى أخرى 


~~~ 


بلورةٌ مضيئة تغتسلُ تحت المطر .. تجلس لا مباليةً على طرفِ فوهةٍ سحيقة .. لا قاع لها.
تنظرُ نحو السماء .. وترتّل أمنياتٍ كثيرة بلون عينيها .. بلونِ الضياء 
تحاولُ ألا تفعل .. ولكنها تفعل .. تحاولُ ألا تقول .. ولكنها تجدُ أنه ليس بامكانها أن تقبض على طرفِ بريقها 

وحجرٌ صلدٌ ويابس في الجهةِ الأخرى من العالم .. يضربُ رأسه على حجارةٍ أكثر قسوة وصلادة .. يفتتُ رأسهُ إلى قطع صغيرة ومتناثرة لا حصر لعددها .. ثم ينظر إلى الفتات ولكن ليس كثيرًا ثمّ يجمعه ويعيده إلى مكانه ..ويعود يضرب رأسه من جديد ... 

والرياح الناسفة تعوي في تلكَ المسافةِ الشاسعة بين البلورةِ المضيئة والحَجر الصلد .. ولا تتمزّق المسافة .. ولا العواء يموت. 




~~~ 


تيارٌ ثلجي يأتي من الشمال ..  من الشمال البعيد جدًا .. يحملُ عينين تتربصان بفضول .. 
تمزقان الحروف من كلماتها لتبحثا في جوفها عن شيءٍ لم أعرفه حتى الآن .


لم يُخبأ يومًا في جوف كلمةٍ قطعةٌ من السماء أو من الليل أو من الفرشات المضيئة 


~~~ 


هنالكَ أشياء نفكرُ بها مرة وننتهي .. مرتين .. ثلاث مرات .. خمس مرات وتختفي.
لكن بعضها الآخر .. يتكرر .. يعاود طرق أبواب تفكيرنا .. يمر بنفس الشكل والهيئة والملامح ونبرةِ الصوتْ.

حِينها لا بدّ أن نعلمَ جيّدًا أن ذاك الشيء يحمل قدرًا ما .. قدرًا لا أحد يعرف كيف ستكون تقاسِيم ملامحه . 


~~~



أشعرُ بأحاسيس كثيرة متداخلة ومتشابكة .. لا تبدأ ولا تنتهي .. لا تظهر ولا تزول.

لم يحدث أن كتبتُ يومًا بهذهِ الغزارة .. ومع ذلك أشعرُ أني لم أقل شيئًا بعد 

أو لأكون أكثر صدقًا .. لم أتحدث سوى عن الأشياءِ الأقل أهميّة .. ما زلتُ أخاف نطقَ الحقيقة

المقطع الطويل جدًا الذي من أجله كتبتُ هذهِ الرسالة .. تركته في مسودّة الصمت .. أنظرُ إليه تمامًا .. وأقرأه بكلّ ما فيه .. ولكني ولسببِ ما عاجزٌ عن كتابته .. أظن أنه نقيٌ جدًا وأبيض إلى الحدّ الذي لا يجب على يدٍ دنسةٍ سوداء مثلُ يدي أن تمسّه 

~~~


هرب 

أستميحكم عذرًا على هذهِ الكومة الهائلة من الغموض والدجل على هذا الصباح .. أعرفُ أن الصباح لا يليقُ بهذا .. وأخبرتكم منذ البداية أنني أكرهُ الكتابة بهذا الأسلوب .. عُذري أني لا أتخيّر نوعَ الكتابة قبل أن أقترفها .. أقترفها عفوًا هكذا وبدون نيّة مبيّتة . 



لا علينا .. سأعاودُ التهام الغياب ومضغ الصمت حتى اشعارٍ آخر .. 


هَمسة : لا يظل الباب صامتًا عن يـدٍ تطرقه 

هَمسة أخرى : ما أجملَ الصَباح الباكِر حينَ يَمْشُطُ جدائل القَمر عَلى طرفِ حضنِه 

هَمسة أخِيرة : أحبّ الهمَسات بكلّ أنواعِها حتى تلكَ التي لا تحملُ أي مَعنى .. يكفي أنها هَمسة. 




السبت، 3 ديسمبر 2011

اكتبْ



تطلبينَ مني أن أكتب ..؟

لا تروقني أشكال التحدّث غير الحميمة ..!
بعضُ الكلام .. لا نستطيع البوح به إلا في حضنٍ دافئ .
أستطيع أن أكتب لكِ الآن "كم أنا متعبٌ" .
لن تدركي الحجم الحقيقيَّ لتعبي .. قد يكون شيئًا ضئيلاً وقد أكون في حالة انهيار.
أن أكون بين يديكِ .. وأنتِ تنظرين في عمق عينيّ .. تتلمسين أطراف أصابعي ..
تقربيني إلى صدركِ وتستمعين إلى دقات قلبي .. وتحتويني بقدر ما فيني من تعب ,
وزيادة .. فيتبددّ تعبي , وأستريح . هنا , أنا أتكلم وأنتِ تدركين حرفيًا معنى ما أقوله . 


أن أكون في حضنك .. يعني أن تدركي الأحجام الحقيقيّة لكل شيء ! 


الجمعة، 2 ديسمبر 2011

الخميس، 1 ديسمبر 2011

قبلة وداع


كنتُ غرًّا حينها ؛ في الثالثةِ عشرة من عمري . همس في أذني ابن خالي الذي كان يصغرني بعام وقال : " تعال قبّل جدّك في جبينه قبلة وداع " . أجبته لما طلب. وقفتُ أنا وهو أمام باب الحجرة , نظرتُ إلى الداخل فإذا جسد جدي مسجى على الأرض ورأسه مكشوفة , وحوله نسوةٌ كثر لم أتعرّف إلى أيّ واحدةٍ منهنّ , هالني لا منظر الموت , منظر النسوة . فانسحبتُ حياءً ولم أحظى بقبلة الوداع .
حتى اللحظة , أنا نادمٌ على فوات جبينه عن شفتيّ . ليتني حتى ولو أتمكن من تقبيلهِ منامًا . 


* لا تتركوا موتاكم دون أن تقبلوا جباههم .