الجمعة، 16 ديسمبر 2011

رسالة مَجهولة المصِير



أكرهُ هذا النوع من الكتابة .. أكرهه وجدًا .. أكره أن أكتب رسالتي لأشخاص كثر بدون أن أحدد أسماءهم  ..بدون أن أضع فواصل بين المقاطع والجمل التي أريدها أن تصل لأذن فلان .. وبين الأخرى التي أريدها أن تصل لأذن فلانة .. في الحقيقة أكرهُ أن أبعث برسالةٍ واحدةٍ لأكثر من شخص .. هذا النوع من الرسائل يمحقُ خصوصيّة الكلمات ويفسد مظهرها .. تمامًا كما أني أكرهُ طاولاتِ العشاء التي على أطرافها ثلاثة كراسي أو أكثر .. تخنقني 


أنا الآن أكتبُ بدون أن أبيت أيّ نيّةٍ للكتابة .. بدون أن أبيت ليلة البارحة في فراشي وأنا أخطط ما ولمن وكيف سأكتب .. فقط استيقظتُ هذا الصباح .. ومنذُ فتحتُ عينيّ عرفتُ أني سأكتب / سأثرثر كثيرًا ولأشخاص كثيرين ..

لمن أكتبُ هذا الصباح ؟! 

اممم بعيدًا عن الكذب .. أغلبُ الأشخاص الذين أكتبُ لهم هم رجال ونساء لا يعرفونني ولا أعرفهم .. وبعضهم يعرفونني ولا أعرفهم .. ولكن ولسببٍ ما لا أدركه أشعرُ أنه يجبّ عليَّ اليوم أن أتحدث إليهم  ..حدسي الداخلي - الذي أؤمن بهِ كثيرًا وجدًا - ينبئني أن أحدهم / إحداهن سيمر هنا فقط ليقرأ هذهِ الرسالة .. ثم سيمضي .. ولن ينساني البتّة وأنا بالمقابل لن أنساهُ اطلاقًا 


أكتبُ للمقربين أيضًا .. خمسةٌ منهم أو ستة على أقل تقدير قال لي : وائل ؛ افتقدنا حرفك .
بعضهم قالها هكذا علانية .. والبعض الأخر قرأتُ ذلك في أعينهم .. هؤلاء / دائرتي الضيّقة 
لو أني لا أكتبُ إلا ليقرؤونني لـ اكتفيتْ بهم 


بادِئة :

بعضُ العاداتِ الصغيرة .. الصغيرة جدًا .. لها ضريبة مهولة بشكل لا يقارن بتلكَ العادة .

على سبيل المثال : ما ضريبة عادة التحليقِ طويلاً في وجه الشمس ؟

سأجيب .. ضريبتها : العَمى


~~~ 


يمرُّ  الآن سؤالٌ عنيفٌ على فكري .. لـمَ يبدأ القدرُ السيِّءُ للأشياء عادةً من أطرافها لا من وسطها ؟! 


الأوراقُ تتآكل من أطرافها .. العتباتُ ينكسر طرفها البارز .. الأثواب القديمة تتمزقُ من أطرافها / أكمامها .. أعوادُ الثقاب يبدأ اشتعالها من طرفها .. رؤوس أقلامُ الرصاص تنكسر من طرفها .. نهايات الشعر هي التي تتقصف .. أو طرفها الآخر هو الذي تصيبه الأمراض .. الإنسان .. يزورهُ الموت من أطرافهِ السفلى ويصعدُ في جسدهِ حتى يُغرغر .. العلاقات البشريّة "أطراف" تلكَ  العلاقات هم المسؤولين عن افسادها !  


~~~ 



أرضٌ لا نهاية لها ودوائر كثيرة تترامى في كل اتجاه .. وقدمٌ وحيدة وصامتة تقفزُ بين ثلاثةِ دوائر منها .. لا تلتفتُ إلى غيرها .. تخشى حقًا القفز بين أيّ دوائر إضافيّة .. لا يطيقُ قلبها ذلك .. تحاولُ أن تُخَاتِلَ نفسها لتقفزَ بين دائرتين فقط .. ورُبما تُبيّتُ النية لأن تقفز في دائرة واحدة .. 
أو فلنقل أنها تُوهم نفسها أنها قادرة على حصرَ عادةِ القفزِ لديها .. لكنها سرعان ما تنهار 
وتعود تقفز بين الداوئر الثلاثة كما كان يحدثُ دومًا 


القفز عادة صحيّة .. صحيّة جدًا .. ولكنها عادة تحتاجُ إلى إتقان وحذق ٍ شديدين .. سَتتحوّل إلى أخرى سيئة إن لم نحن نتقن القفز .. ونتخيّر أماكن سقوطنا الصحيحة حين ننتقلُ من دائرةٍ إلى أخرى 


~~~ 


بلورةٌ مضيئة تغتسلُ تحت المطر .. تجلس لا مباليةً على طرفِ فوهةٍ سحيقة .. لا قاع لها.
تنظرُ نحو السماء .. وترتّل أمنياتٍ كثيرة بلون عينيها .. بلونِ الضياء 
تحاولُ ألا تفعل .. ولكنها تفعل .. تحاولُ ألا تقول .. ولكنها تجدُ أنه ليس بامكانها أن تقبض على طرفِ بريقها 

وحجرٌ صلدٌ ويابس في الجهةِ الأخرى من العالم .. يضربُ رأسه على حجارةٍ أكثر قسوة وصلادة .. يفتتُ رأسهُ إلى قطع صغيرة ومتناثرة لا حصر لعددها .. ثم ينظر إلى الفتات ولكن ليس كثيرًا ثمّ يجمعه ويعيده إلى مكانه ..ويعود يضرب رأسه من جديد ... 

والرياح الناسفة تعوي في تلكَ المسافةِ الشاسعة بين البلورةِ المضيئة والحَجر الصلد .. ولا تتمزّق المسافة .. ولا العواء يموت. 




~~~ 


تيارٌ ثلجي يأتي من الشمال ..  من الشمال البعيد جدًا .. يحملُ عينين تتربصان بفضول .. 
تمزقان الحروف من كلماتها لتبحثا في جوفها عن شيءٍ لم أعرفه حتى الآن .


لم يُخبأ يومًا في جوف كلمةٍ قطعةٌ من السماء أو من الليل أو من الفرشات المضيئة 


~~~ 


هنالكَ أشياء نفكرُ بها مرة وننتهي .. مرتين .. ثلاث مرات .. خمس مرات وتختفي.
لكن بعضها الآخر .. يتكرر .. يعاود طرق أبواب تفكيرنا .. يمر بنفس الشكل والهيئة والملامح ونبرةِ الصوتْ.

حِينها لا بدّ أن نعلمَ جيّدًا أن ذاك الشيء يحمل قدرًا ما .. قدرًا لا أحد يعرف كيف ستكون تقاسِيم ملامحه . 


~~~



أشعرُ بأحاسيس كثيرة متداخلة ومتشابكة .. لا تبدأ ولا تنتهي .. لا تظهر ولا تزول.

لم يحدث أن كتبتُ يومًا بهذهِ الغزارة .. ومع ذلك أشعرُ أني لم أقل شيئًا بعد 

أو لأكون أكثر صدقًا .. لم أتحدث سوى عن الأشياءِ الأقل أهميّة .. ما زلتُ أخاف نطقَ الحقيقة

المقطع الطويل جدًا الذي من أجله كتبتُ هذهِ الرسالة .. تركته في مسودّة الصمت .. أنظرُ إليه تمامًا .. وأقرأه بكلّ ما فيه .. ولكني ولسببِ ما عاجزٌ عن كتابته .. أظن أنه نقيٌ جدًا وأبيض إلى الحدّ الذي لا يجب على يدٍ دنسةٍ سوداء مثلُ يدي أن تمسّه 

~~~


هرب 

أستميحكم عذرًا على هذهِ الكومة الهائلة من الغموض والدجل على هذا الصباح .. أعرفُ أن الصباح لا يليقُ بهذا .. وأخبرتكم منذ البداية أنني أكرهُ الكتابة بهذا الأسلوب .. عُذري أني لا أتخيّر نوعَ الكتابة قبل أن أقترفها .. أقترفها عفوًا هكذا وبدون نيّة مبيّتة . 



لا علينا .. سأعاودُ التهام الغياب ومضغ الصمت حتى اشعارٍ آخر .. 


هَمسة : لا يظل الباب صامتًا عن يـدٍ تطرقه 

هَمسة أخرى : ما أجملَ الصَباح الباكِر حينَ يَمْشُطُ جدائل القَمر عَلى طرفِ حضنِه 

هَمسة أخِيرة : أحبّ الهمَسات بكلّ أنواعِها حتى تلكَ التي لا تحملُ أي مَعنى .. يكفي أنها هَمسة. 




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق