الأحد، 18 ديسمبر 2011

الأيَامْ



أتخيّلهُ شابًا أسمر في الواحدةِ والعشرين , يُصغي إلى نصائح أصدقائه أكثر من نصائحه والديه , ويحبهم أكثر مما يحبهما , يعيشُ حياته بعبثيّة ولا اكتراث . أتخيّلهُ أنه حضر صباحًا إلى المكتبة , لم تقدهُ إليها رغبة القراءةِ بل قاده ملله الساحق . دخل المكان وهو يجرّ قدميه , سأل عن قسم الرويات وتوجه إليه مباشرة دون أن يشكر ذاك الذي أرشده , أدار عينيه بين أكوام القصص وسحب إحداها , قرأ العنوان واسم الكاتب , وتذّكر أن صديقه الذي يكتب الأدب ذكر هذهِ الرواية عنده , وأبدى اعجابه وتعلّقه بها . وضع الرواية في يده وحملها إلى حيث أقرب كرسي , وارتمى عليه , وبدأ يتفحصّ الرواية بين يديه ويقلبها . أوّل نظراتهِ إليها كانت امتهان , سخر من غلاف الرواية الرديء الصنع , ضحك على ذائقة الذي اختار ألوانهُ بتناسق ٍأبله . أتخيّله أيضًا أنه فتح الرواية وقرأ فيها بعيني ازدراء , وأتخيّله أنه أنهى عشرين صفحة ثم زفر في حَنَقٍ هامس " يوووه ما هذا السُخف"  , رمى الكتاب على الطاولة , ثم مضى وهو يجرّ قدميه .


ساعتين من الزمن , ويومٌ بعدها , ومن البعيد يهرول نحو نفس الطاولة شابٌ طويل له شعرٌ أشقر يلامس كتفيه , ذقنُه منذُ عشرةِ أيام لم تُشذب , وله عينين لوزيتيّن تنظران بذهولٍ حادٍ أغلبَ الوقت . جلس على نفس الكرسي , وأمال رأسه للوراء , وأغمض عينه وزفر شيئًا ثقيلاً من صدره , ثم زفره أخرى , وأخرى , حتى شعرُ أنه لا يمكن أن يزفر أكثر . أخرج من حقيبته قارورة ماءٍ , ورفعها إلى فيه , وفي نفس الوقت الذي لامس طرف القارورة شفتيه , لمح كتابًا . حرّك  الكتابُ في نفسهِ شيئًا . أنزل القارورة دون أن يشرب , مدّ يده نحو الكتاب وقرأ بخطٍ كوفي ٍ مزخرف في أعلى الكتاب " طــهْ حــسَـــيْــن – الأَيــَــــامْ " . تأمّل الرواية لحظتين , شعرَ بقَدَرِ غريبٍ يصلهُ بها ,  ثم ارتفع , ومضى ولم يقف إلا وعبارةٌ تسبقه عند موظف الخدمات : " أريدُ أن 
أستعيرها ".


وصل ذاك الذي لهُ شعرٌ أشقر يلامس كتفيه  إلى بيته قبل نصف ساعة , أخذ حمامًا ساخنًا , وتذكّر والماء الحارُ جدًا ينسكب على جسده أنه وهو في الطريق إلى منزله أقسم ألا يغمض له جفن قبل أن ينهي رواية طه حسين أو بالأحرى سيرته الذاتية . هو عازمٌ على أن يبرَّ بقسمه الذي ولأوّل مرةِ في حياته يُقسم مثله . أقسمَ فقط لأنه شعرَ بقَدَر غريبِ حين لامس غلافَ "الأَيـَامْ" . سيفصل اتصاله عن الشبكة حالاً , وسيختار تلكَ المقطوعة التي أسماها "ناي الألم " ليستمع إليها بصوتٍ خفيض وهو يقرأ . لن يأكل . لن يتحدّث مع أحد . وسيتجرّد من كل شيءٍ  حتى يُنهي "الأَيَامْ" . فقط سيُقيم صلاته . وسيشرب الماء . وسمح لنفسهِ أن يطالع حصاد الجزيرة عند الحاديةِ عشرة ؛ وفقط . 





الخامسةُ  .. من مَغيبِ الأحد .     


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق