أتخيّلهُ شابًا أسمر في الواحدةِ والعشرين , يُصغي
إلى نصائح أصدقائه أكثر من نصائحه والديه , ويحبهم أكثر مما يحبهما , يعيشُ حياته
بعبثيّة ولا اكتراث . أتخيّلهُ أنه حضر صباحًا إلى المكتبة , لم تقدهُ إليها رغبة
القراءةِ بل قاده ملله الساحق . دخل
المكان وهو يجرّ قدميه , سأل عن قسم الرويات وتوجه إليه مباشرة دون أن يشكر ذاك الذي أرشده , أدار عينيه بين
أكوام القصص وسحب إحداها , قرأ العنوان واسم الكاتب , وتذّكر أن صديقه الذي يكتب
الأدب ذكر هذهِ الرواية عنده , وأبدى اعجابه وتعلّقه بها . وضع الرواية في يده
وحملها إلى حيث أقرب كرسي , وارتمى عليه , وبدأ يتفحصّ الرواية بين يديه ويقلبها . أوّل نظراتهِ
إليها كانت امتهان , سخر من غلاف الرواية الرديء الصنع , ضحك على ذائقة الذي اختار
ألوانهُ بتناسق ٍأبله . أتخيّله أيضًا أنه فتح الرواية وقرأ فيها بعيني ازدراء ,
وأتخيّله أنه أنهى عشرين صفحة ثم زفر في حَنَقٍ هامس " يوووه ما هذا السُخف" , رمى الكتاب على الطاولة , ثم مضى وهو يجرّ قدميه .
ساعتين من الزمن , ويومٌ بعدها , ومن البعيد يهرول
نحو نفس الطاولة شابٌ طويل له شعرٌ أشقر يلامس كتفيه , ذقنُه منذُ عشرةِ أيام لم
تُشذب , وله عينين لوزيتيّن تنظران بذهولٍ حادٍ أغلبَ الوقت . جلس على نفس الكرسي
, وأمال رأسه للوراء , وأغمض عينه وزفر شيئًا ثقيلاً من صدره , ثم زفره أخرى , وأخرى
, حتى شعرُ أنه لا يمكن أن يزفر أكثر . أخرج من حقيبته قارورة ماءٍ , ورفعها إلى
فيه , وفي نفس الوقت الذي لامس طرف القارورة شفتيه , لمح كتابًا . حرّك الكتابُ في نفسهِ شيئًا . أنزل القارورة دون أن
يشرب , مدّ يده نحو الكتاب وقرأ بخطٍ كوفي ٍ مزخرف في أعلى الكتاب " طــهْ حــسَـــيْــن
– الأَيــَــــامْ " . تأمّل الرواية لحظتين , شعرَ بقَدَرِ غريبٍ يصلهُ بها ,
ثم ارتفع , ومضى ولم يقف إلا وعبارةٌ
تسبقه عند موظف الخدمات : " أريدُ أن
أستعيرها ".
وصل ذاك الذي لهُ شعرٌ أشقر يلامس كتفيه إلى بيته قبل نصف ساعة , أخذ حمامًا ساخنًا ,
وتذكّر والماء الحارُ جدًا ينسكب على جسده أنه وهو في الطريق إلى منزله أقسم ألا يغمض له جفن قبل أن ينهي رواية طه حسين
أو بالأحرى سيرته الذاتية . هو عازمٌ على
أن يبرَّ بقسمه الذي ولأوّل مرةِ في حياته يُقسم مثله . أقسمَ فقط لأنه شعرَ بقَدَر
غريبِ حين لامس غلافَ "الأَيـَامْ" . سيفصل اتصاله عن الشبكة حالاً , وسيختار
تلكَ المقطوعة التي أسماها "ناي الألم " ليستمع إليها بصوتٍ خفيض وهو
يقرأ . لن يأكل . لن يتحدّث مع أحد . وسيتجرّد من كل شيءٍ حتى يُنهي "الأَيَامْ" . فقط سيُقيم
صلاته . وسيشرب الماء . وسمح لنفسهِ أن يطالع حصاد الجزيرة عند الحاديةِ عشرة ؛
وفقط .
الخامسةُ .. من مَغيبِ الأحد .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق